دراسات أشعرية

قراءة في كتاب: العلاقة بين المنطق والفقه عند مفكري الإسلام قراءة في الفكر الأشعري
قراءة في كتاب: العلاقة بين المنطق والفقه عند مفكري الإسلام قراءة في الفكر الأشعري

 

يسعى هذا المقال إلى عرض تركيبي مقتضب لمعاقد الكتاب المقروء ومراسمه تقريبا لها للقراء المهتمين والباحثين المختصين وفق خطاطة منهجية في القراءة تجمع، على وجازتها، بين الوصف والنقد، لكن دون الإيغال في التفاصيل والحيثيات؛ إذ الغرض الإسفار عن قيمة الكتاب في بابه والإلماع إلى مشكلاته وفرضياته والوقوف على دعاويه وأحكامه على سبيل الإجمال حتى لا نخرج عن مقصود هذا العرض.  
  
خطوات القراءة:
ـ الخطوة الأولى: تحديد إشكالية البحث.
ـ الخطوة الثانية: تحديد فرضيات البحث.
ـ الخطوة الثالثة: تحديد المجال النظري الذي ينتسب إليه الكتاب.
ـ الخطوة الرابعة: بيان المنهجية العامة للدراسة ونتائجها.
ـ الخطوة الخامسة: تحديد قيمة الكتاب في بابه وموضوعه.
ـ الخطوة السادسة: قراءة نقدية للكتاب.
                        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
●الخطوة الأولى: تحديد إشكالية البحث وفرضياته:
1ـ إشكالية البحث:
يبدو موضوع الكتاب جليا من خلال العنوان ـ و العناوين أنساب الكتب ـ؛ إذ يستشكل المؤلف أوجه العلاقة الممكنة بين الفقه والمنطق، محاولا الإجابة عن سؤال رئيس هو:
                  هل أفاد فقهاء الأشاعرة من المنطق في استنباط الأحكام الشرعية؟
2ـ فرضيات البحث:
يبني المؤلف كتابه هذا على عدد من الفرضيات يجعلها منطلقا له في البحث والتحليل، وأهمها ما يلي: 
ـ تأثر الأشاعرة بالمناطقة المسلمين الذين سبقوهم، وبخاصة ابن سينا الفيلسوف.
ــ بما أن علم أصول الفقه لدى الأشاعرة تأثر بالمنطق، وهو علم تستنبط به الأحكام الشرعية العملية (الفقه)، إذن، فالمنطق كان له تأثير في الفقه.
ــ إدراج الأشاعرة المنطقَ في أصول الفقه هو سبب التمييز فيه بين طريقة المتكلمين ـ أو الشافعية ـ وطريقة الحنفية. 
ــ استفاد الأشاعرة من مجهود ابن حزم في تقريب حد المنطق وإبراز أوجه استثماره في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام الشرعية وفهمها.
●الخطوة الثانية: تحديد المجال النظري الذي ينتسب إليه الكتاب:
يندرج الكتاب في صنف الدراسات الفلسفية التي تروم قراءة التراث العلمي العربي الإسلامي قراءة جديدة تقوم على استنباط الآليات المنهجية الكبرى التي اعتمدها العلماء في إنتاجاتهم العلمية.
والكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن دراسة فلسفية يتزاوج "الكلام" فيها مع الفقهيات بواسطة تحليل أوجه إسهام المنطق اليوناني في تقعيد علم أصول الفقه، وبالتالي في الفقه نفسه.
ويهمنا هنا أن الكاتب ينطلق من خلفية فلسفية مفادها أن علم أصول الفقه علم فلسفي بامتياز نظرا لتعلقه بالكليات الفلسفية وبالمنطق الذي هو مدخل لكل فلسفة حقيقية. ولعل هذا ما يفسر حضور مجموعة من النظريات الفلسفية ساقها المؤلف بناء على تأثره باتجاه فلسفي يمثله عدد من المتفلسفة المصريين خاصة، أمثال؛ الشيخ مصطفى عبد الرازق، وإبراهيم بيومي مدكور، وحسن عبد الحميد، وسامي النشار، وحسن حنفي، إضافة إلى الفيلسوف المغربي عابد الجابري. بل نجد الكاتب يستند في كثير من تقريراته على آراء بعض المستشرقين أمثال جوزيف شاخت، مما يجلي لنا الخلفية الفلسفية الواضحة التي أطرت اشتغاله بهذا الموضوع.
●الخطوة الثالثة: بيان المنهجية العامة للدراسة ونتائجها:
صرح الكاتب في مقدمة كتابه بأنه يعتمد المنهج التحليلي المقارن؛ بحيث يقوم بتحليل النصوص تحليلا دقيقا يساعده على استنباط واستخلاص كل ما تشمله من آراء وأفكار مع المقارنة بين آراء المتقدمين والمتأخرين من كبار الأشاعرة، وذلك بغية إبراز ما طرأ على العلاقة بين المنطق والفقه عندهم من تطوير وازدهار.
كما توسل الكاتب في بعض الأحيان بالمنهج التاريخي، خصوصا في معرض تحريره لمواقف كبار الأشاعرة من المنطق والمقارنة بينها، وكذا في محاولته استشفاف الأرضية التي انطلق منها الأشاعرة في الإفادة من المنطق في الفقهيات؛ وهي في الحقيقة عبارة عن دراسة تاريخية تأصيلية في آن؛ رام منها الكاتب تقرير السند السلفي العلمي للأشاعرة في نحوهم هذا المنحى؛ بحيث يؤكد المؤلف تأثر الأشاعرة بالمنهجية الاستنباطية التي بنى عليها الشافعي رسالته، وبالدراسات المنطقية التي اضطلع بها الظاهري ابن حزم، والتي مهدت للأشاعرة ـ على حد زعم الكاتب ـ احتضان المنطق وجعله أساسا في الاستنباط الفقهي. 
وبناء على هذه المنهجية قام الكاتب، أولا، باستشكال مسألة حضور أو غياب المنطق اليوناني في رسالة الشافعي، ليتوصل إلى أنه بالرغم من الطابع المنهجي الدقيق الذي تتميز به رسالته المؤسسة لعلم أصول الفقه، إلا أنها بقيت باكورة خالصة من التأثير اليوناني، بدليل تصريح الشافعي برفضه إدخال اللسان اليوناني في فهم الخطاب الشرعي.
ثم بعد ذلك عرج المؤلف على موقف ابن حزم من المنطق الأرسطي، مبينا محاولته جعل المنطق مدخلا منهجيا لفهم الخطاب الشرعي، عقديا كان أم فقهيا؛ بحيث يساعد المنطق العلماء على بناء اليقين والتمييز في الأقوال والآراء بين الصحيح من الباطل، والسليم من السقيم، باعتباره آلة ضابطة للتفكير عامة، وللتفكير الفقهي خاصة.
ولأن الكاتب يروم إبراز العلاقة بين الفقه والمنطق عند الأشاعرة، فقد مهد لذلك بالكلام عن نشأتهما في المدرسة الأشعرية مبرزا، ابتداء، الصلة بين المنطق والدراسات الكلامية الأشعرية وكيفية تعاملهم مع المنطق اليوناني. وقد خلص إلى أن الأشعري ـ صاحب المذهب ـ هو أول من أدخل المنطق في علم الكلام ( كما في كتاب الإبانة)؛ حيث صاغ تدليلاته على شكل أقيسة أرسطية، كما انتهى إلى أن الجويني هو أول من أدخل المنطق في علم أصول الفقه. على أن الكاتب يعلل ذلك بانتشار الفلسفات والنحل والمذاهب في العالم الإسلامي بفعل الفتوحات؛ فكان لزاما على العلماء التسلح، إضافة إلى النص الشرعي واللغة العربية، بأساليب وطرائق منطقية تتشارك فيها العقول، فتقوم من ثمة الحجة على المخالفين. من هنا كانت نشأة الفقه عند الأشاعرة موازية لاهتماماتهم الكلامية والمنطقية، فاصطبغت الدراسات الفقهية عندهم بالصبغة الكلامية والمنطقية. وللتدليل على صحة هذه الدعوى، قام الكاتب بتحليل طبيعة العلاقة بين المنطق والفقه لدى عدد من أرباب المذهب الأشعري، وهم: الجويني، والغزالي، والفخر الرازي، وسيف الدين الآمدي. وفي هذا الصدد أبرز الكاتب كيف أن عملية ربط الفقه بالمنطق لم تكن وليدة إسهام هذا العالم أو ذاك بمعزل عن بقية العلماء، وإنما هي سلسلة من الإسهامات العلمية توطدت بفضلها العلاقة بين الفقه والمنطق، بحيث كان اللاحق منها يكمل السابق. وبذلك صارت مباحث الحد والبرهان ضرورية لمن يتصدى لعلم أصول الفقه ثم للفقه؛ فبدون ضبط المصطلحات الفقهية حدا وتعريفا، وبدون استيعاب الأقيسة الحملية الأرسطية والرواقية لا يستطيع المشتغل في علمي الفقه وأصوله استنباط الأحكام الشرعية ومعرفة طرق الاستدلال وأوجه الإعلال.
ثم بعد ذلك، قام المؤلف بعقد مقارنة بين تصنيفات المناطقة وتصنيفات الفقهاء، والتي تتعلق بمباحث التصورات والتصديقات كما في المنطق، أو بمباحث معرفة دلالة الألفاظ والعبارات وكيفياتها (تقابل مبحث الألفاظ في المنطق)، وما يتعلق بالحد الأصولي (مقابل الحد المنطقي) وبالاستدلالات الفقهية؛ من قياس، واستحسان، ومصالح مرسلة (وهي تقابل مبحث التصديقات في المنطق). ويخلص الباحث إلى تقرير مدى التداخل بين مباحث الحد والبرهان (التصور والتصديق) ومباحث الدلالة والاستدلال عند الأشاعرة، بل لهم ـ في نظره ـ فضل نقد هذه المباحث كما هي عند المناطقة؛ ويقصد المؤلف ابتكارهم الحد بالخواص مقابل الماهية مع انبنائه (أي الحد) على تفصيل ما دل عليه الاسم بإجمال. أما على مستوى التصديق (أو البرهان) فيرى الكاتب أن القياس الفقهي يتماهى مع قياس التمثيل المنطقي (طبيعتهما واحدة: انتقال من جزئي إلى جزئي يؤدي إلى الظن). كما أن الأشاعرة حاولوا الرقي بالقياس الفقهي إلى مرتبة القياس المنطقي (القياس البرهاني) حتى يكون استدلالا بالكلي على الجزئي رغبة في الوصول إلى اليقين.
من جهة أخرى، وبناء على هذه المقارنة والمقايسة بين طرائق الاستدلال اليونانية ونظرائها الفقهية كما هي عند الأشاعرة خلص الكاتب إلى أن المدرسة الأشعرية زاوجت بين المنهجين الاستنباطي (القياسي) والاستقرائي (التمثيلي) مع بنائها المنهجَ الثاني على قانونين صارمين: هما قانون العلية (أو السببية) وقانون الاطراد، وذلك لضبط مسالك البحث عن العلل في عملية القياس الأصولي. على أن المنهج الاستقرائي لا يؤدي إلا إلى نتائج ترجيحية عكس المنهج الاستنباطي الذي يؤدي إلى نتائج يقينية تأثرا بالتصور الأرسطي للمناهج.
بيد أن الأشاعرة في تقعيدهم مسالكَ البحث عن العلة، يكونون قد سبقوا المناطقة التجريبيين المحدثين (أمثال فرانسيس بيكون وجون استوارت مل) في وضع قوانين المنهج الاستقرائي وطرقه. 
●الخطوة الرابعة: تحديد قيمة الكتاب في بابه وموضوعه:
تظهر قيمة الكتاب، ابتداء، في تصديه لموضوع لم يطرق من قبل إلا عرَضا ـ كما هو الشأن في كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام لعلي سامي النشارـ أو في معرض بيان أثر المنطق على طرائق الاستدلال عند المسلمين عموما ــ  كما هو الشأن في كتابات محمد عبد القاهر محمد علي (كمناهج ومشكلات العلوم الاستقرائية، وكتاب المنطق الاستقرائي) وكتابات محمود فهمي زيدان (الاستقراء والمنهج العلمي)؛ بحيث لامست هذه البحوث أثر المنطق في الفقه من بعيد جدا، وذلك من خلال الوقوف على بعض ملامح تأثير المنطق في العقل الإسلامي. ومن ثم يكون الكتاب ـ قيد القراءة ـ مساهمة علمية بناءة في استجلاء أوجه العلاقة بين المنطق والفقه الإسلامي لدى مدرسة تعتبر من أهم المدارس الكلامية التي عرفها الفكر الإسلامي وهي المدرسة الأشعرية.
من جهة أخرى تتعزز قيمة الكتاب بالمنهجية التي سلكها المؤلف في الترتيب والتبويب؛ بحيث تكون محاولته رائدة في موضوع تأصيل العلاقة بين المنطق والفقه، خصوصا وأن المؤلف صدّر الموضوع بالحديث عن موقف الشافعي وابن حزم من المنطق، وعن نشأة المنطق والفقه لدى الأشاعرة تمهيدا لبيان مدى التعلق بينهما في طرق استنباط الأحكام الشرعية.
وعليه، فالكتاب الذي بين أيدينا يُعد، بحق، لبنة أولى في سبيل الكشف عن وجوه استثمار المنطقيات في استنباط الفقهيات. وهو موضوع يحتاج، على كل حال، إلى تظافر جهود المشتغلين في المنطق وعلم الكلام والفقه وأصوله إذا ما أردنا استكناه حقيقة العلاقة بين الفقه والمنطق.
●الخطوة الخامسة: قراءة نقدية للكتاب:
نعرض فيما يلي لأهم الملاحظات التي سجلتها على المؤلف، وذلك من جهتين؛ جهة الموضوع وجهة المنهج.
1ـ من جهة الموضوع:
بادئ ذي بدئ، يلاحظ قارئ الكتاب أن هنالك شرخا كبيرا بين العنوان والمضمون؛ إذ يظهر من منطوق العنوان أن الكاتب يتناول علاقة المنطق بالفقه لدى الأشاعرة، بيد أن محتوى الكتاب يدور حول علاقة المنطق بعلم الكلام وعلم أصول الفقه، لا بالفقه مباشرة. وهذا ما يفسر، في نظري، هيمنة الطابع الفلسفي في دراسته هاته وغياب الأمثلة الفقهية التي من شأنها أن تدلل على وجود أو غياب علاقة بين الفقه والمنطق. ولعل الكاتب يستعمل مصطلح "الفقه" بمعناه العام؛ أي الفهم والدراية. فيكون تأثير المنطق على الأشاعرة في مسالك فهمهم للخطاب الشرعي، عقديا كان أو فقهيا. ولذلك لم يوفق الكاتب في تبيين وجوه تأثير المنطق في الفقه؛ أي في الأحكام الفقهية العملية التي استنبطها الأشاعرة من الخطاب الشرعي. ومن ثم تبقى هذه الدراسة عبارة عن تنظيرات أكثر منها دراسة منطقية فقهية قائمة على الشواهد والأمثلة والنماذج الفقهية، وإن كان لصاحبها فضل السبق في دراسة هذا الموضوع دراسة علمية.
هذا ونسجل على المؤلف وقوعه في عدد من الإطلاقات تعرى عن الدليل:
ــ يعتبر أن التقسيمات الأصولية المعتبرة (العام والخاص، والكلي والجزئي، والمقدمات والنتائج..) هي تقسيمات منطقية يونانية صرفة. وهذا يتعارض مع ما رجحه الكاتب في تمهيده من أن واضع علم أصول الفقه - الشافعي - كان في منأى تماما عن التأثير اليوناني في رسالته. وليس يخفى أن هذه التقسيمات ترجع إليه، وإن في صورتها الأولية!
ــ يجعل الكاتب من المقدمات الكلامية المعتبرة لدى جمهور الأشاعرة - وهي التي يطلق عليها: كتاب النظر، أو كتاب الجدل، أو مدارك العقول.. - رديفة للمنطق الأرسطي جملة. وهذا لا يسلم؛ إذ هذه المقدمات الكلامية - كما هي مقررة عند أهلها – إنما أنشئت إنشاء لتكون أرضية عقلية صلبة ومشتركة للاستدلال على وجود الباري عز وجل وعلى صفاته وأحوال الأكوان وصفاتها.. مع ارتباط تام بالنصوص الشرعية. وهذا ما لا وجود له في المنطق اليوناني.
ــ يرى المؤلف أن الإمام الأشعري في كتبه، وبخاصة في كتاب الإبانة، يقرر النتائج بناء على أقيسة منطقية أرسطية. وهذا لا يسلم أيضا، خصوصا وأن الإمام كان يناهض الإلهيات اليونانية، وهي معززة بالمنطق الأرسطي، ويكفي الرجوع إلى ثبت مصنفاته كما هي عند ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" لاستجلاء هذا الحكم. على أن طرائق الاستدلال عند الإمام تدور في أغلبها على قانون التلازم – ولا نسلم بأصله اليوناني؛ إذ هو من أهم القوانين العقلية التي قررها القرآن، والأمثلة على ذلك كثيرة يضيق المقام بذكرها – وكذا على قانون رد الغائب إلى الشاهد (أو الاستدلال بالشاهد على الغائب) وهو منهج كلامي إسلامي صرف.
2ـ من جهة المنهج:
والملاحظات من هذا الوجه نُجملها فيما يلي:
ــ صرح الكاتب في مقدمته أنه سينهج المنهج التحليلي المقارن، في حين غلب عليه المنهج الوصفي التقريري؛ فهو يذكر المواقف دون تحليل للنصوص. وهذا يبدو جليا في الفصل المتعلق بموقف الشافعي وابن حزم من المنطق.
ــ عدم مناقشته الآراء التي يوردها؛ فمثلا في المسألة المتعلقة بالموقف من الأصل اليوناني والروماني للمنهج عند الشافعي يذكر المؤلف رأيين متعارضين ويعزو كل موقف إلى القائلين به من المعاصرين دون مناقشة آرائهم، ودونما تدليل على صحة أو عدم صحة الموقفين المذكورين.
ــ استناده إلى آراء بعض المستشرقين المتعصبين أمثال جوزيف شاخت، في حين، كان من المفروض - وهو يزعم أنه أول من يطرق هذا الموضوع – أن يعتمد رأسا على المصادر مباشرة.
ــ يستغرب القارئ من كثرة نقل مواقف وآراء العلماء الأقدمين من كتب المعاصرين؛ كما فعل بصدد حديثه عن منهج الشافعي في الاستنباط.
بالجملة، يبقى الكتاب محاولة رائدة في بابها، ولصاحبه قصب السبق.. على أن المحاولات الأولى لا تخلو من قصور، لذلك يتوجب على المشتغلين في هذا الميدان تعميق البحث في هذا الموضوع مع ضرورة الانتقال من مستوى التنظير إلى مستوى الإنكباب مباشرة على الأبواب الفقهية والعمل على بيان تأثير القواعد والمسالك المنهجية المنطقية في القول بهذا الحكم الشرعي أو ذاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ ملاحظة: تعمدت عدم الإحالة على أرقام صفحات من الكتاب بعينها، لأن طبيعة قراءة الكتاب شمولية لجميع مباحثه
إنجاز: الباحث محمد أمين السقال.

 

يسعى هذا المقال إلى عرض تركيبي مقتضب لمعاقد الكتاب المقروء ومراسمه تقريبا لها للقراء المهتمين والباحثين المختصين وفق خطاطة منهجية في القراءة تجمع، على وجازتها، بين الوصف والنقد، لكن دون الإيغال في التفاصيل والحيثيات؛ إذ الغرض الإسفار عن قيمة الكتاب في بابه والإلماع إلى مشكلاته وفرضياته والوقوف على دعاويه وأحكامه على سبيل الإجمال حتى لا نخرج عن مقصود هذا العرض.  

 

خطوات القراءة:

ـ الخطوة الأولى: تحديد إشكالية البحث وفرضياته.

ـ الخطوة الثانية: تحديد المجال النظري الذي ينتسب إليه الكتاب.

ـ الخطوة الثالثة: بيان المنهجية العامة للدراسة ونتائجها.

ـ الخطوة الرابعة: تحديد قيمة الكتاب في بابه وموضوعه.

ـ الخطوة الخامسة: قراءة نقدية للكتاب.

 ـــــــــــــــــــــــــــــ

● الخطوة الأولى: تحديد إشكالية البحث وفرضياته:

1ـ إشكالية البحث:

يبدو موضوع الكتاب جليا من خلال العنوان ـ و العناوين أنساب الكتب ـ؛ إذ يستشكل المؤلف أوجه العلاقة الممكنة بين الفقه والمنطق، محاولا الإجابة عن سؤال رئيس هو:

هل أفاد فقهاء الأشاعرة من المنطق في استنباط الأحكام الشرعية؟

2ـ فرضيات البحث:

يبني المؤلف كتابه هذا على عدد من الفرضيات يجعلها منطلقا له في البحث والتحليل، وأهمها ما يلي: 

ـ تأثر الأشاعرة بالمناطقة المسلمين الذين سبقوهم، وبخاصة ابن سينا الفيلسوف.

ــ بما أن علم أصول الفقه لدى الأشاعرة تأثر بالمنطق، وهو علم تستنبط به الأحكام الشرعية العملية (الفقه)، إذن، فالمنطق كان له تأثير في الفقه.

ــ إدراج الأشاعرة المنطقَ في أصول الفقه هو سبب التمييز فيه بين طريقة المتكلمين ـ أو الشافعية ـ وطريقة الحنفية. 

ــ استفاد الأشاعرة من مجهود ابن حزم في تقريب حد المنطق وإبراز أوجه استثماره في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام الشرعية وفهمها.

● الخطوة الثانية: تحديد المجال النظري الذي ينتسب إليه الكتاب:

يندرج الكتاب في صنف الدراسات الفلسفية التي تروم قراءة التراث العلمي العربي الإسلامي قراءة جديدة تقوم على استنباط الآليات المنهجية الكبرى التي اعتمدها العلماء في إنتاجاتهم العلمية.

والكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن دراسة فلسفية يتزاوج "الكلام" فيها مع الفقهيات بواسطة تحليل أوجه إسهام المنطق اليوناني في تقعيد علم أصول الفقه، وبالتالي في الفقه نفسه.

ويهمنا هنا أن الكاتب ينطلق من خلفية فلسفية مفادها أن علم أصول الفقه علم فلسفي بامتياز نظرا لتعلقه بالكليات الفلسفية وبالمنطق الذي هو مدخل لكل فلسفة حقيقية. ولعل هذا ما يفسر حضور مجموعة من النظريات الفلسفية ساقها المؤلف بناء على تأثره باتجاه فلسفي يمثله عدد من المتفلسفة المصريين خاصة، أمثال؛ الشيخ مصطفى عبد الرازق، وإبراهيم بيومي مدكور، وحسن عبد الحميد، وسامي النشار، وحسن حنفي، إضافة إلى الفيلسوف المغربي عابد الجابري. بل نجد الكاتب يستند في كثير من تقريراته على آراء بعض المستشرقين أمثال جوزيف شاخت، مما يجلي لنا الخلفية الفلسفية الواضحة التي أطرت اشتغاله بهذا الموضوع.

● الخطوة الثالثة: بيان المنهجية العامة للدراسة ونتائجها:

صرح الكاتب في مقدمة كتابه بأنه يعتمد المنهج التحليلي المقارن؛ بحيث يقوم بتحليل النصوص تحليلا دقيقا يساعده على استنباط واستخلاص كل ما تشمله من آراء وأفكار مع المقارنة بين آراء المتقدمين والمتأخرين من كبار الأشاعرة، وذلك بغية إبراز ما طرأ على العلاقة بين المنطق والفقه عندهم من تطوير وازدهار.

كما توسل الكاتب في بعض الأحيان بالمنهج التاريخي، خصوصا في معرض تحريره لمواقف كبار الأشاعرة من المنطق والمقارنة بينها، وكذا في محاولته استشفاف الأرضية التي انطلق منها الأشاعرة في الإفادة من المنطق في الفقهيات؛ وهي في الحقيقة عبارة عن دراسة تاريخية تأصيلية في آن؛ رام منها الكاتب تقرير السند السلفي العلمي للأشاعرة في نحوهم هذا المنحى؛ بحيث يؤكد المؤلف تأثر الأشاعرة بالمنهجية الاستنباطية التي بنى عليها الشافعي رسالته، وبالدراسات المنطقية التي اضطلع بها الظاهري ابن حزم، والتي مهدت للأشاعرة ـ على حد زعم الكاتب ـ احتضان المنطق وجعله أساسا في الاستنباط الفقهي. 

وبناء على هذه المنهجية قام الكاتب، أولا، باستشكال مسألة حضور أو غياب المنطق اليوناني في رسالة الشافعي، ليتوصل إلى أنه بالرغم من الطابع المنهجي الدقيق الذي تتميز به رسالته المؤسسة لعلم أصول الفقه، إلا أنها بقيت باكورة خالصة من التأثير اليوناني، بدليل تصريح الشافعي برفضه إدخال اللسان اليوناني في فهم الخطاب الشرعي.

ثم بعد ذلك عرج المؤلف على موقف ابن حزم من المنطق الأرسطي، مبينا محاولته جعل المنطق مدخلا منهجيا لفهم الخطاب الشرعي، عقديا كان أم فقهيا؛ بحيث يساعد المنطق العلماء على بناء اليقين والتمييز في الأقوال والآراء بين الصحيح من الباطل، والسليم من السقيم، باعتباره آلة ضابطة للتفكير عامة، وللتفكير الفقهي خاصة.

ولأن الكاتب يروم إبراز العلاقة بين الفقه والمنطق عند الأشاعرة، فقد مهد لذلك بالكلام عن نشأتهما في المدرسة الأشعرية مبرزا، ابتداء، الصلة بين المنطق والدراسات الكلامية الأشعرية وكيفية تعاملهم مع المنطق اليوناني. وقد خلص إلى أن الأشعري ـ صاحب المذهب ـ هو أول من أدخل المنطق في علم الكلام ( كما في كتاب الإبانة)؛ حيث صاغ تدليلاته على شكل أقيسة أرسطية، كما انتهى إلى أن الجويني هو أول من أدخل المنطق في علم أصول الفقه. على أن الكاتب يعلل ذلك بانتشار الفلسفات والنحل والمذاهب في العالم الإسلامي بفعل الفتوحات؛ فكان لزاما على العلماء التسلح، إضافة إلى النص الشرعي واللغة العربية، بأساليب وطرائق منطقية تتشارك فيها العقول، فتقوم من ثمة الحجة على المخالفين. من هنا كانت نشأة الفقه عند الأشاعرة موازية لاهتماماتهم الكلامية والمنطقية، فاصطبغت الدراسات الفقهية عندهم بالصبغة الكلامية والمنطقية. وللتدليل على صحة هذه الدعوى، قام الكاتب بتحليل طبيعة العلاقة بين المنطق والفقه لدى عدد من أرباب المذهب الأشعري، وهم: الجويني، والغزالي، والفخر الرازي، وسيف الدين الآمدي. وفي هذا الصدد أبرز الكاتب كيف أن عملية ربط الفقه بالمنطق لم تكن وليدة إسهام هذا العالم أو ذاك بمعزل عن بقية العلماء، وإنما هي سلسلة من الإسهامات العلمية توطدت بفضلها العلاقة بين الفقه والمنطق، بحيث كان اللاحق منها يكمل السابق. وبذلك صارت مباحث الحد والبرهان ضرورية لمن يتصدى لعلم أصول الفقه ثم للفقه؛ فبدون ضبط المصطلحات الفقهية حدا وتعريفا، وبدون استيعاب الأقيسة الحملية الأرسطية والرواقية لا يستطيع المشتغل في علمي الفقه وأصوله استنباط الأحكام الشرعية ومعرفة طرق الاستدلال وأوجه الإعلال.

ثم بعد ذلك، قام المؤلف بعقد مقارنة بين تصنيفات المناطقة وتصنيفات الفقهاء، والتي تتعلق بمباحث التصورات والتصديقات كما في المنطق، أو بمباحث معرفة دلالة الألفاظ والعبارات وكيفياتها (تقابل مبحث الألفاظ في المنطق)، وما يتعلق بالحد الأصولي (مقابل الحد المنطقي) وبالاستدلالات الفقهية؛ من قياس، واستحسان، ومصالح مرسلة (وهي تقابل مبحث التصديقات في المنطق). ويخلص الباحث إلى تقرير مدى التداخل بين مباحث الحد والبرهان (التصور والتصديق) ومباحث الدلالة والاستدلال عند الأشاعرة، بل لهم ـ في نظره ـ فضل نقد هذه المباحث كما هي عند المناطقة؛ ويقصد المؤلف ابتكارهم الحد بالخواص مقابل الماهية مع انبنائه (أي الحد) على تفصيل ما دل عليه الاسم بإجمال. أما على مستوى التصديق (أو البرهان) فيرى الكاتب أن القياس الفقهي يتماهى مع قياس التمثيل المنطقي (طبيعتهما واحدة: انتقال من جزئي إلى جزئي يؤدي إلى الظن). كما أن الأشاعرة حاولوا الرقي بالقياس الفقهي إلى مرتبة القياس المنطقي (القياس البرهاني) حتى يكون استدلالا بالكلي على الجزئي رغبة في الوصول إلى اليقين.

من جهة أخرى، وبناء على هذه المقارنة والمقايسة بين طرائق الاستدلال اليونانية ونظرائها الفقهية كما هي عند الأشاعرة خلص الكاتب إلى أن المدرسة الأشعرية زاوجت بين المنهجين الاستنباطي (القياسي) والاستقرائي (التمثيلي) مع بنائها المنهجَ الثاني على قانونين صارمين: هما قانون العلية (أو السببية) وقانون الاطراد، وذلك لضبط مسالك البحث عن العلل في عملية القياس الأصولي. على أن المنهج الاستقرائي لا يؤدي إلا إلى نتائج ترجيحية عكس المنهج الاستنباطي الذي يؤدي إلى نتائج يقينية تأثرا بالتصور الأرسطي للمناهج.

بيد أن الأشاعرة في تقعيدهم مسالكَ البحث عن العلة، يكونون قد سبقوا المناطقة التجريبيين المحدثين (أمثال فرانسيس بيكون وجون استوارت مل) في وضع قوانين المنهج الاستقرائي وطرقه. 

● الخطوة الرابعة: تحديد قيمة الكتاب في بابه وموضوعه:

تظهر قيمة الكتاب، ابتداء، في تصديه لموضوع لم يطرق من قبل إلا عرَضا ـ كما هو الشأن في كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام لعلي سامي النشارـ أو في معرض بيان أثر المنطق على طرائق الاستدلال عند المسلمين عموما ــ  كما هو الشأن في كتابات محمد عبد القاهر محمد علي (كمناهج ومشكلات العلوم الاستقرائية، وكتاب المنطق الاستقرائي) وكتابات محمود فهمي زيدان (الاستقراء والمنهج العلمي)؛ بحيث لامست هذه البحوث أثر المنطق في الفقه من بعيد جدا، وذلك من خلال الوقوف على بعض ملامح تأثير المنطق في العقل الإسلامي. ومن ثم يكون الكتاب ـ قيد القراءة ـ مساهمة علمية بناءة في استجلاء أوجه العلاقة بين المنطق والفقه الإسلامي لدى مدرسة تعتبر من أهم المدارس الكلامية التي عرفها الفكر الإسلامي وهي المدرسة الأشعرية.

من جهة أخرى تتعزز قيمة الكتاب بالمنهجية التي سلكها المؤلف في الترتيب والتبويب؛ بحيث تكون محاولته رائدة في موضوع تأصيل العلاقة بين المنطق والفقه، خصوصا وأن المؤلف صدّر الموضوع بالحديث عن موقف الشافعي وابن حزم من المنطق، وعن نشأة المنطق والفقه لدى الأشاعرة تمهيدا لبيان مدى التعلق بينهما في طرق استنباط الأحكام الشرعية.

وعليه، فالكتاب الذي بين أيدينا يُعد، بحق، لبنة أولى في سبيل الكشف عن وجوه استثمار المنطقيات في استنباط الفقهيات. وهو موضوع يحتاج، على كل حال، إلى تظافر جهود المشتغلين في المنطق وعلم الكلام والفقه وأصوله إذا ما أردنا استكناه حقيقة العلاقة بين الفقه والمنطق.

● الخطوة الخامسة: قراءة نقدية للكتاب:

نعرض فيما يلي لأهم الملاحظات التي سجلتها على المؤلف، وذلك من جهتين؛ جهة الموضوع وجهة المنهج.

1ـ من جهة الموضوع:

بادئ ذي بدئ، يلاحظ قارئ الكتاب أن هنالك شرخا كبيرا بين العنوان والمضمون؛ إذ يظهر من منطوق العنوان أن الكاتب يتناول علاقة المنطق بالفقه لدى الأشاعرة، بيد أن محتوى الكتاب يدور حول علاقة المنطق بعلم الكلام وعلم أصول الفقه، لا بالفقه مباشرة. وهذا ما يفسر، في نظري، هيمنة الطابع الفلسفي في دراسته هاته وغياب الأمثلة الفقهية التي من شأنها أن تدلل على وجود أو غياب علاقة بين الفقه والمنطق. ولعل الكاتب يستعمل مصطلح "الفقه" بمعناه العام؛ أي الفهم والدراية. فيكون تأثير المنطق على الأشاعرة في مسالك فهمهم للخطاب الشرعي، عقديا كان أو فقهيا. ولذلك لم يوفق الكاتب في تبيين وجوه تأثير المنطق في الفقه؛ أي في الأحكام الفقهية العملية التي استنبطها الأشاعرة من الخطاب الشرعي. ومن ثم تبقى هذه الدراسة عبارة عن تنظيرات أكثر منها دراسة منطقية فقهية قائمة على الشواهد والأمثلة والنماذج الفقهية، وإن كان لصاحبها فضل السبق في دراسة هذا الموضوع دراسة علمية.

هذا ونسجل على المؤلف وقوعه في عدد من الإطلاقات تعرى عن الدليل:

ــ يعتبر أن التقسيمات الأصولية المعتبرة (العام والخاص، والكلي والجزئي، والمقدمات والنتائج..) هي تقسيمات منطقية يونانية صرفة. وهذا يتعارض مع ما رجحه الكاتب في تمهيده من أن واضع علم أصول الفقه - الشافعي - كان في منأى تماما عن التأثير اليوناني في رسالته. وليس يخفى أن هذه التقسيمات ترجع إليه، وإن في صورتها الأولية!

ــ يجعل الكاتب من المقدمات الكلامية المعتبرة لدى جمهور الأشاعرة - وهي التي يطلق عليها: كتاب النظر، أو كتاب الجدل، أو مدارك العقول.. - رديفة للمنطق الأرسطي جملة. وهذا لا يسلم؛ إذ هذه المقدمات الكلامية - كما هي مقررة عند أهلها – إنما أنشئت إنشاء لتكون أرضية عقلية صلبة ومشتركة للاستدلال على وجود الباري عز وجل وعلى صفاته وأحوال الأكوان وصفاتها.. مع ارتباط تام بالنصوص الشرعية. وهذا ما لا وجود له في المنطق اليوناني.

ــ يرى المؤلف أن الإمام الأشعري في كتبه، وبخاصة في كتاب الإبانة، يقرر النتائج بناء على أقيسة منطقية أرسطية. وهذا لا يسلم أيضا، خصوصا وأن الإمام كان يناهض الإلهيات اليونانية، وهي معززة بالمنطق الأرسطي، ويكفي الرجوع إلى ثبت مصنفاته كما هي عند ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" لاستجلاء هذا الحكم. على أن طرائق الاستدلال عند الإمام تدور في أغلبها على قانون التلازم – ولا نسلم بأصله اليوناني؛ إذ هو من أهم القوانين العقلية التي قررها القرآن، والأمثلة على ذلك كثيرة يضيق المقام بذكرها – وكذا على قانون رد الغائب إلى الشاهد (أو الاستدلال بالشاهد على الغائب) وهو منهج كلامي إسلامي صرف.

2ـ من جهة المنهج:

والملاحظات من هذا الوجه نُجملها فيما يلي:

ــ صرح الكاتب في مقدمته أنه سينهج المنهج التحليلي المقارن، في حين غلب عليه المنهج الوصفي التقريري؛ فهو يذكر المواقف دون تحليل للنصوص. وهذا يبدو جليا في الفصل المتعلق بموقف الشافعي وابن حزم من المنطق.

ــ عدم مناقشته الآراء التي يوردها؛ فمثلا في المسألة المتعلقة بالموقف من الأصل اليوناني والروماني للمنهج عند الشافعي يذكر المؤلف رأيين متعارضين ويعزو كل موقف إلى القائلين به من المعاصرين دون مناقشة آرائهم، ودونما تدليل على صحة أو عدم صحة الموقفين المذكورين.

ــ استناده إلى آراء بعض المستشرقين المتعصبين أمثال جوزيف شاخت، في حين، كان من المفروض - وهو يزعم أنه أول من يطرق هذا الموضوع – أن يعتمد رأسا على المصادر مباشرة.

ــ يستغرب القارئ من كثرة نقل مواقف وآراء العلماء الأقدمين من كتب المعاصرين؛ كما فعل بصدد حديثه عن منهج الشافعي في الاستنباط.

بالجملة، يبقى الكتاب محاولة رائدة في بابها، ولصاحبه قصب السبق.. على أن المحاولات الأولى لا تخلو من قصور، لذلك يتوجب على المشتغلين في هذا الميدان تعميق البحث في هذا الموضوع مع ضرورة الانتقال من مستوى التنظير إلى مستوى الإنكباب مباشرة على الأبواب الفقهية والعمل على بيان تأثير القواعد والمسالك المنهجية المنطقية في القول بهذا الحكم الشرعي أو ذاك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ـ ملاحظة: تعمدت عدم الإحالة على أرقام صفحات من الكتاب بعينها، لأن طبيعة قراءة الكتاب شمولية لجميع مباحثه.

 

إعداد الباحث: الباحث محمد أمين السقال



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تعريف علم الكلام ومباحثه ما بين السنوسي واليوسي

تعريف علم الكلام ومباحثه ما بين السنوسي واليوسي

يعتبر الإمام السنوسي (832هـ/895هـ) إماما عالما عَلَمًا من أئمة أهل السنة والجماعة، كما أشرنا إلى ذلك عند التعريف ببعض مؤلفاته العقدية الكبرى ككتاب "شرح المقدمات" في مقال سابق[1] والذي يعتبر من أجلّ الكتب في علم التوحيد، وإن كانت كل مؤلفاته لها طابع خاص، وكتابه "شرح السنوسية الكبرى" الذي سبق عرضه كذلك[2]، باعتباره أحد الآثار العقدية الشاهدة لأبي عبد الله السنوسي بإمامته في علم الكلام، والدالّة على امتلاكه آليات النهوض بعلم الكلام الأشعري.

مقال في إثبات فتنة القبر

مقال في إثبات فتنة القبر

قد يُحْكَمُ لأول وهلة بأن الكتابة في موضوع فتنة القبر خوض في مبحث مستهلك، وأنها لا تعدو في عصرنا الحاضر ضربا من الترف العلمي العديم الفائدة، خصوصا عند استحضارنا أن علماء الأمة المعتبَرين قد أفاضوا وأفادوا في معالجة هذا الموضوع والتنظير له داخل سياقه الفكري، من أمثال البيهقي في "إثبات عذاب القبر"، وحجة الإسلام الغزالي في "الدرة الفاخرة"، والقرطبي في "التذكرة"، وابن حجر العسقلاني في "رسالة الجواب الكافي" وفي "الفتاوي العقدية"...

إيمان العوام بين القول بالتقليد والقول بالتكفير برأي ابن مبارك السجلماسي اللمطي

إيمان العوام بين القول بالتقليد والقول بالتكفير برأي ابن مبارك السجلماسي اللمطي

لما رأى ابن مبارك السجلماسي اللمطي (ت.1156هـ) أنه تمكَّن من ناصية جلّ العلوم، أخذ يحاجج غيره بالحجة والدليل مانحا لنفسه صفة المجتهد في الخلاف في المسائل الكلامية، وقد كانت له بالفعل عارضة في المقابلة بين أقوال العلماء ومجادلتهم بمقتضى ذلك، ومن ذلك تأليفه الشهير "رد التشديد في مسألة التقليد" موضوع هذه المقالة.