دراسات أشعرية

دور أبي ذر الهروي في نشر الأشعرية بالمغرب
دور أبي ذر الهروي في نشر الأشعرية بالمغرب

في مقال له تحت عنوان: "أبو ذر الهروي الحافظ المحدث المالكي أول من أدخل العقيدة الأشعرية للحرم المكي وأول من بثها في المغاربة" يقول عبد الله بن محمد بن الطاهر، المدرِّس بمدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق بأكادير[1]: «لا شك أن الحديث عن العقيدة الأشعرية وصفائها وصحتها لا بد أن يقودنا إلى الحديث عن الأعلام العلماء الذين اعتنقوها ونشروها واستماتوا في الذود عنها، وهم أئمة كان عليهم مدار العلوم الشرعية وآلاتها بكل تخصصاتها عبر امتداد الزمان والمكان في هذه الأمة». ثم بدأ صاحب المقال في سرد مجموعة من أسماء هؤلاء العلماء الأشاعرة حسب تخصصاتهم؛ فذكر من بينهم: القرطبي وابن كثير وابن عطية من المفسرين، والحاكم والدارقطني والهروي من المحدثين، والكاساني والشيرازي وابن رشد والشاطبي من الفقهاء، ثم الخطيب البغدادي وابن عساكر وابن الأثير وابن خلدون من المؤرخين، وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس من القادة والحكام، وغيرهم كثير، ليصل إلى ذكر المحدث المالكي أبي ذر الهروي والذي تميز بأمور منها:
1-أنه المحدث الذي له باع طويل في رواية الحديث والعلم برجاله، بل هو ممن عليه مدار السند في صحيح البخاري.
2-أنه من الأوائل الذين اعتنقوا المذهب الأشعري.
3-أنه أول من نقل المذهب الأشعري إلى الحرم المكي.
4-أنه أول من بث المذهب الأشعري بين علماء الأندلس والمغرب..
ثم انتقل الباحث إلى التعريف بهذا العالم قائلا: «هو عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير بن محمد، أبو ذر الهروي الخراساني المالكي المعروف ببلده بـ"ابن السماك الأنصاري"»، ولد سنة355هـ ، وكانت ولادته في هراة وإليها ينتسب؛ وهي مدينة بخراسان، وبها تلقى علومه الأولى، ثم بباقي مدن خراسان قبل أن يرحل إلى البصرة وبغداد، وإلى دمشق والحجاز ومصر. وقد ذكر من شيوخه العدد الكبير؛ منهم: من خراسان: أبو الفضل محمد بن عبد الله بن خميرويه الهروي(ت372هـ) وأبو إسحاق إبراهيم المستملي(ت376هـ) وأبو بكر أحمد بن عبد الله الشيرازي(ت411هـ)، ومن العراق: القاضي أبو الحسن القصار(ت398هـ) وأبو الفضل عبيد الله الزهري مسند العراق(ت381هـ) وأبو بكر الباقلاني(ت403هـ)، وآخرون من البصرة ودمشق ومصر ومكة.
ثم ذكر عن مذهبه العقدي قوله: «كان أبو ذر الهروي في بداية مشواره العلمي يهتم بالحديث ورجاله وروايته ودرايته، ومذهبه في العقيدة والفقه في هذه الفترة غير معروف، وكانت وقفة واحدة من شيخه الحافظ الدارقطني مع أبي بكر الباقلاني كافية لتصنع في حياته منعرجا يعد نقطة تحول فكري ومذهبي، إذ لفتت انتباهه، فكانت سببا في اعتناقه المذهبين: الأشعري في العقيدة والمالكي في الفقه»، ثم يذكر قصة ذلك على لسان تلميذه أبي الوليد الباجي فيقول: «سألت أبا ذر الهروي، من أين تمذهبت لمالك والأشعري؟ فقال: كان سبب أخذي عن القاضي أبي بكر الباقلاني ومعرفتي بقدره، أني كنت ماشيا ببغداد مع الحافظ أبي الحسن الدارقطني، إذ لقينا شابا فالتزمه الشيخ أبو الحسن وقبَّل وجهه وعينيه وعظَّمه ودعا له، فلما فارقناه، قلت له: من هذا الذي صنعت به ما لم أعتقد أنك تصنعه وأنت إمام وقتك؟ فقال: هذا إمام المسلمين والذَّاب عن الدين وناصر السنة وقامع المعتزلة، هذا القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، فقال أبو ذر: فمن ذلك الوقت ترددت إليه مع أبي وأخذت عنه، وكل بلد دخلته من بلاد خراسان وغيرها، لا يشار فيها إلى أحد من أهل السنة إلا من كان على مذهبه وطريقه»[2].
أبو ذر الهروي أول من أدخل العقيدة الأشعرية الحرم المكي: تحت هذا العنوان ذكر الباحث من تلاميذ الإمام الهروي الذين نهلوا منه أمثال: القاضي أبو الوليد الباجي وأبو عمران الفاسي، وقد نقل ذلك الحافظ ابن عساكر. وذكر من منتقديه في ذلك ابن تيمية الذي نقل عن الحسين بن أبي أمامة المالكي أنه قال: «سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر الهروي، فإنه أول من حمل الكلام إلى الحرم»[3]. وابن الجوزي في قوله: «إن أبا ذر كان من الأشاعرة المبغضين، وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري»[4]. والذهبي الذي قال: «وكان على مذهب مالك ومذهب الأشعري، أخذ الكلام ورأي أبي الحسن عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وبث ذلك بمكة»[5].
أبو ذر الهروي أول من بث العقيدة الأشعرية في المغاربة: وتحت هذا العنوان ذكر الباحث أن الأستاذ يوسف احنانا في كتابه عن تطور المذهب الأشعري وعلى الرغم من ذكره لمجموعة من تلاميذ الإمام الهروي إلا أنه لم يذكره كأول من أدخل المذهب الأشعري إلى الغرب الإسلامي، في حين أنه قد اشتهر لدى العلماء أن أول من بث العقيدة الأشعرية في المغاربة هو أبو ذر الهروي، والدليل على ذلك قول الباحث:
«مما لا شك فيه أن أي عالم، وفكر أي مفكر، إنما ينتشر ويتسع بمجهود تلامذته الذين يحملون أفكاره..وإذا علمنا هذا فإن أبا ذر الهروي-رغم أنه لم يزر قط الأندلس-هو أول من بث العقيدة الأشعرية في الغرب الإسلامي عبر تلامذته الذين انتشروا في كل أصقاع الأندلس، فقد وقفت له على زهاء مائة تلميذ كلهم أندلسيون فقهاء مبرزون، أغلبهم قضاة مشهود لهم بالعدل والإنصاف، وعلى رأسهم العلامة أبو الوليد الباجي، أخذوا عنه الحديث والعقيدة..»، وقوله أيضا: «قد صرح غير واحد بأن أبا ذر الهروي أول من بث مذهب الأشعري في المغرب والأندلس منهم:
1-    ابن تيمية حين قال: «وأهل المغرب كانوا يحجون  فيجتمعون به، ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة، ويدلهم على أصلها (أي بغداد)، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي، فأخذ طريق أبي جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي الباقلاني، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي إمام الحرمين في الإرشاد»[6].
2-    الإمام الذهبي حين قال: «وكان الهروي على مذهب مالك ومذهب الأشعري، أخذ الكلام ورأي أبي الحسن عن الباقلاني، وحمله عنه المغاربة إلى المغرب والأندلس، وقبل ذلك كانوا لا يدخلون في الكلام، بل يتقنون الفقه أو الحديث أو العربية ولا يخوضون في المعقولات، وعلى ذلك كان الأصيلي وأبو الوليد بن الفرضي وأبو عمر الطلمنكي ومكي القيسي وأبو عمرو الداني وأبو عمر بن عبد البر»[7].
3-    للمغاربة علاقة خاصة بالحرمين، فقد التزموا في الفقه بالمذهب المالكي، والتزموا في القرآن برواية ورش عن نافع، كما التزموا في العقيدة بالأشعرية بسبب ما بث فيهم شيخهم بمكة الهروي».
أبو ذر الهروي: الاستقرار والعطاء العلمي: يقول الباحث: «بعد أن أحس أبو ذر-رحمه الله- من نفسه القدرة على العطاء بعد هذه الجولة العلمية المتنوعة مكانا (من خراسان إلى العراق فدمشق فمصر فالحجاز) والمتنوعة أيضا في الشيوخ الذين يعدون بالعشرات، سكن مكة وجاور بها أزيد من ثلاثين سنة..»، وأثناء مجاورته بمكة تصدر للعطاء العلمي على جبهتين:
الجبهة الأولى: تأليف القلوب عن طريق تصدره للفتيا لعامة الناس، ونشر العلم الشريف وخصوصا الحديث. ثم عدَّد الباحث هنا مجموعة من التلاميذ الذين تلقَّوا عن الهروي الحديث الشريف وهم كثر، سواء من المشارقة أو من المغاربة من العدوتين  الأندلس والمغرب. وهذا ما يفسر لنا ما سبق من أنه أول من بث العقيدة الأشعرية في المغرب وذلك من خلال تلاميذه.
الجبهة الثانية: تأليف الكتب، فقد صنف الهروي-رحمه الله- عدة مصنفات في مختلف العلوم العقدية والحديثية والفقهية والأخلاقية والتاريخية..
أبو ذر الهروي: الحافظ المحدث: يعد أبو ذر الهروي من أعلام المحدثين الحفاظ الذين عليهم مدار علم الحديث دراية ورواية، وللاستدلال على مكانته أورد الباحث سلسلة مشايخ الرواة في صحيح البخاري التي رواها أبو ذر الهروي، وقد ذكر ابن حجر في الفتح أن رواية صحيح البخاري عنه قد اتصلت له من عدة روايات أتقنها رواية أبي ذر الهروي، بل عليها اعتمد في فتح الباري قال رحمه الله: «والاقتصار على أتقن الروايات عندنا؛ وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها..»[8].
كما أورد الباحث طريقة المغاربة في الرواية والمعروفة بنسخة "ابن سعادة"، وهي أشهر رواية اعتمدها الرواة بالمغرب والأندلس لصحيح البخاري. بالإضافة إلى رواية موطأ الإمام مالك رحمه الله برواية محمد بن الحسن الشيباني بالسند المتصل إلى أبي ذر الهروي عبر طريق المغاربة المذكورة قبلا. وكلا الروايتين متصلة السند إلى صاحب المقال الأستاذ عبد الله بن محمد بن الطاهر.
وأخيرا ذكر الباحث اختلاف الرواة في سنة وفاة الشيخ أبي ذر الهروي ما بين: 435هـ و434هـ بالحرم المكي. وهكذا يقول الباحث: «انتقل هذا العالم الكبير والمحدث الفاضل والحافظ الثقة الواسع الرواية والدراية، الفقيه المالكي الأشعري إلى رحمة الله تعالى بعد أن نشر الحديث النبوي الشريف وخصوصا صحيح البخاري، وبعد أن علَّم وأسَّس وقعَّد وبثَّ العقيدة الأشعرية في كل من الحرم المكي والمغرب الإسلامي عبر مئات من تلامذته، فرحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه وأرضاه وعنا به آمين».
الاستنتاجات: ثم ختم الباحث مقالته بمجموعة من الاستنتاجات، ولأهميتها نوردها كاملة وهي:
1-إن العقيدة الأشعرية قضية اعتنقها ونافح عنها بالمئات من علماء هذه الأمة، بحيث لا خير فيها إذا أزيحوا عنها، شهد لهم بذلك حتى أعداؤهم الذين يكفرونهم..
2-إن الرحلات العلمية أمر متأصل في هذه الأمة، بحيث لا يكاد عالم انتفعت به الأمة إلا ووجدت له رحلات علمية جاب فيها الآفاق بحثا عن مراعي العلم والعلماء، وهذا ما تحقق لأبي ذر الهروي..
3-إن كثرة الشيوخ توسع أفق العالم وتشحذ همته وتنوع علمه، ليستطيع بذلك التصدي للعطاء العلمي معتمدا على مخزون علمي وافر، وهذا ما تحقق لأبي ذر الهروي؛ فقد فاق شيوخه المائة.
4-إن كثرة تلامذة أبي ذر الهروي تدل على اتساع علمه ورحابة صدره وامتداد أفقه.
5-إن كثرة تلاميذ أبي ذر الهروي من المغاربة يفسر ما كان عليه المغاربة من حب وتقدير واحترام لأهل الحرمين، فقد كان مذهبهم في الفقه مذهب مالك المدني، وقراءتهم في القرآن رواية ورش عن نافع، فكذلك عقيدتهم هي عقيدة الهروي عن الأشعري.
6-إن الشخص يمكن أن يصل بعلمه إلى مكان وزمان لم يصل إليهما بجسده، فقد بث أبو ذر الهروي العقيدة الأشعرية في الأندلس والمغرب وإن لم يزرهما قط، وكذلك فعل الإمام مالك في مذهبه والإمام نافع بقراءته.
7-إن أخذ العلوم بالسند أمر يعرف قيمته من تذوقه، ويكفي أنه طريق يربط طالب العلم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عملية دينية خص الله بها هذه الأمة..»، (وكتبه: عبد الله بن محمد(بن الطاهر)-مدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق أكادير-المغرب).  


[مجلة "الفقه المالكي" -العدد:11- شتاء/2011-ص:167 وما بعدها]



                                                                           إعداد الباحث: منتصر الخطيب


الهوامش:


[1] المقال تحت عنوان: "أبو ذر الهروي الحافظ المحدث المالكي أول من أدخل العقيدة الأشعرية للحرم المكي وأول من بثها في المغاربة" عبد الله بن محمد بن الطاهر المدرس بمدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق بأكادير– منشور بمجلة"الفقه المالكي" (مجلة علمية فصلية متخصصة محكمة في تراث المذهب المالكي)-العدد:11- شتاء/2011-ص:167 وما بعدها.
[2] ترتيب المدارك للقاضي عياض-تحقيق:أحمد أعلاراب-طبعة وزارة الأوقاف/المغرب-ج/7-ص:46-وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر-ج/37-ص:392-وسير أعلام النبلاء للذهبي-ج/13-ص:362-ونفح الطيب للمقري-ج/2-ص:70
[3] درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية-تحقيق: محمد رشاد سالم-طبعة: دار الكنوز/الرياض/1391-ج/1-ص:283
[4] المنتظم في التاريخ لابن الجوزي-دار صادر/1358-ج/7-ص:194
[5] سير أعلام النبلاء للذهبي-تحقيق: محب الدين العمروي-دار الفكر/بيروت-ج/13-ص:362
[6] درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية-ج/1-ص:283
[7] سير أعلام النبلاء للذهبي- ج/13-ص:362
[8] فتح الباري لابن حجر-دار المعرفة/بيروت/1379-ج/1-ص:6-7



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تعريف علم الكلام ومباحثه ما بين السنوسي واليوسي

تعريف علم الكلام ومباحثه ما بين السنوسي واليوسي

يعتبر الإمام السنوسي (832هـ/895هـ) إماما عالما عَلَمًا من أئمة أهل السنة والجماعة، كما أشرنا إلى ذلك عند التعريف ببعض مؤلفاته العقدية الكبرى ككتاب "شرح المقدمات" في مقال سابق[1] والذي يعتبر من أجلّ الكتب في علم التوحيد، وإن كانت كل مؤلفاته لها طابع خاص، وكتابه "شرح السنوسية الكبرى" الذي سبق عرضه كذلك[2]، باعتباره أحد الآثار العقدية الشاهدة لأبي عبد الله السنوسي بإمامته في علم الكلام، والدالّة على امتلاكه آليات النهوض بعلم الكلام الأشعري.

مقال في إثبات فتنة القبر

مقال في إثبات فتنة القبر

قد يُحْكَمُ لأول وهلة بأن الكتابة في موضوع فتنة القبر خوض في مبحث مستهلك، وأنها لا تعدو في عصرنا الحاضر ضربا من الترف العلمي العديم الفائدة، خصوصا عند استحضارنا أن علماء الأمة المعتبَرين قد أفاضوا وأفادوا في معالجة هذا الموضوع والتنظير له داخل سياقه الفكري، من أمثال البيهقي في "إثبات عذاب القبر"، وحجة الإسلام الغزالي في "الدرة الفاخرة"، والقرطبي في "التذكرة"، وابن حجر العسقلاني في "رسالة الجواب الكافي" وفي "الفتاوي العقدية"...

إيمان العوام بين القول بالتقليد والقول بالتكفير برأي ابن مبارك السجلماسي اللمطي

إيمان العوام بين القول بالتقليد والقول بالتكفير برأي ابن مبارك السجلماسي اللمطي

لما رأى ابن مبارك السجلماسي اللمطي (ت.1156هـ) أنه تمكَّن من ناصية جلّ العلوم، أخذ يحاجج غيره بالحجة والدليل مانحا لنفسه صفة المجتهد في الخلاف في المسائل الكلامية، وقد كانت له بالفعل عارضة في المقابلة بين أقوال العلماء ومجادلتهم بمقتضى ذلك، ومن ذلك تأليفه الشهير "رد التشديد في مسألة التقليد" موضوع هذه المقالة.